الشيخ خالد توفي” على ذمة الراوي”‎

201212111030808

دار الفتوى

جلست على كرسي حلاقي، استرخيت قليلاً، هو المكان الوحيد الذي يجعلني قادر على استذكار طفولتي في ظل زحمة يومياتي ووقت علمي الذي يبلغ يومياً 16 ساعة

بدأت أسترخي أكثر، احاول التفكير بشيء ينسيني حساسيتي المفرطة تجاه الشفرة المسلطة على ذقني، التفت قليلاً الى اليمين حيث جامع الحرج-المقاصد، رأيت ملامح جنازة، واذ بشيخ ضرير يخرج من المسجد ويركب السيارة التي تقل الراحل، عندها فاجأني حلاقي حسين بسؤال “ليش كل الشيوخة اللي بيشيعوا الميت عميان”

سؤال يستحق التفكير والتأمل، نشّط ذاكرتي، واعادني الى طفولتي في عائشة بكار حيث ترعرعت بمنزل بيت جدي، هناك كان لكل يوم جمعة حيث غدائنا العائلي نصيب من البخور المعطر، وتلاوة عطرة عن روح المرحوم جدي من قارئ المنطقة في حينها ومرافق النعوش الى مثواها الأخير الشيخ خالد.

الشيخ خالد كان ضريراً يتكئ على عكاز خشبي، يدخل بيت جدي من دون مساعد، يعلم جيداً أين مقعده، يحب شاي جدتي “سكر زيادة” وكأنه يريد الزيادة فقط لأنها زيادة وبدون كلفة، يبدأ الشيخ خالد بالتلاوة، ونحن بدورنا نختبئ في غرفة خالتي، خائفين من الخروج، خاصة ان لسان الشيخ سليط وبقوة، كانت جدتي كلما خفت صوته ترسل له “لفة من الالوف الورقية”، فيعلو صوته تدريجياً.

كان يهمس دائماً في نهاية تلاوته في سيرة خالتي العزباء واحيانا يستعين بآيات عن الزواج، جدتي سريعة البديهة، تعلم جيداً الى ماذا يرمي، ترد عليه بقسوة “الجمل لو شاف حردبتو”، فيرد عليها: “اللي بيشوفو القلب ما بتشوفو العين، ما تغرك هالعباية ، المرا هي بتهتم وبترجعني شب”.

الشيخ خالد كما كثر مثله يعتمدون برزقهم على الموت، فكرة مخيفة لكنها بالنسبة لهم أسلوب حياة، تراهم جالسين بالساعات في باحة مستشفى المقاصد أو على باب محال بيع النعوش في البسطة التحتا، وإن أضعتهم وجدتهم بين صلاتي الظهر والعصر في مسجد البسطة التحتا او الخاشقجي يصلون على راحل ما.

لا يقتصر عملهم على التلاوة فقط، يغسلون الموتى، يدلعونهم احيانا بحسب مكانتهم الاجتماعية، وعالباً ما ترى أطراف جلاليبهم متسخة ببقع الرمال والطين من جراء دخولهم وخروجهم كثيراً من المقابر.

سألت أحد كبار بيروت عن سبب اطلاق لقب “شيخ” عليهم، فأوضح أنهم تربوا وتعلموا بـ”الكتّاب” وهي صفوف او حلقات تعليمية قديمة تدرّس القرآن وتجوديه، لكنهم لم يستمروا بدراستهم في الكليات الشرعية، واكتفوا بجني ثمار ما تعلموه واكتسبوه من معرفة مقامات التلاوة لجني المال، ومنهم من ورّث المهنة لنجله، او أسس معه شركة متواضعة الأب يتلو والإبن يعمل في نكش القبور، وصديق اخر يؤمن لهم حسومات على أسعار تأجير النعوش الخشبية التي تنقل الميت، والزبون تائه بمصابه وجاهز للدفع.

اذكر ان الشيخ خالد رفض تلاوة القرآن في عزاء خالتي، واشترط علينا كي يقرأ ان نأتي له بتفاحة، قمة القباحة، نحن بمصابنا وهو بكرشة المنتفخ، ربما ألف المشهد وانكسر خجله مع كل مرحوم وقف على غسله وشيعه وفك وحدته.

كان وقحاً جداً يرتدي نظارة سوداء داكنة ربما استعاض عن فقدان نظره بطول لسانه يردد “هون بيت الكرم بس بعد ما شفنا شي”، وربما تعامله مع الموتى أفقده شيئاً من الحياء، كان يأكل في العزاء بطريقة مخيفة، الجميع يهربون من الجلوس بجانبه، خوف الموت وما ادراك ما الخوف من الموت، فيخصصون له زاوية ويضعون له على طاولة منفردة كل الموجود على الطاولة الكبيرة، ويلهم لو نسوا شيئا لم يقدموه له صاح بصوته “الغالي راح ما الأسف عالرخيص”.

انتابني شعور كالذي يدفعني يومياً لمعرفة الخفايا السياسية وتدوينها بتقارير صحافية حيث باب رزقني ومهنتي، وتحول مصير الشيخ خالد جزء من عملي يوم الراحة… بدأت بالإستفسار، وليتني لم أفعل.

الشيخ خالد توفي منذ اعوام هذا ما قاله لي أحد من تبقى من كبار المنطقة، قالها ودخل الى منزله الأرضي وكأنه يهرب من الباقي، يهرب من رائحة الموت التي كانت تنبعث من الحديث، كأن ذكر الشيخ يبشره بالموت، لا تفاصيل اضافية، لا معلومات عن مكان دفن الشيخ.

كانت الحسرة مضاعفة، كنت أود أن ارى الشيخ واختبر شعوري الطفولي من جديد، وكنت أود أن التقي بجزء من تاريخ مدينتي المفقود، والذي أصبح خاطرة ندونها ونكتب في ختامها “على ذمة الراوي”.

Advertisements

About mahmouddoha

journalist @future Tv
هذا المنشور نشر في Uncategorized وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

1 Response to الشيخ خالد توفي” على ذمة الراوي”‎

  1. mahmouddoha كتب:

    قام بإعادة تدوين هذه على صفحة بيضاء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s